الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
55
مناهل العرفان في علوم القرآن
من الدواعي والأحداث فضلا عما سينزل من اللّه فيها . وهكذا يمضى العمر الطويل والرسول على هذا العهد ، يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم ، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتمّ ، وينتظم ويتآخى ويأتلف ويلتئم ، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت ، بل يعجز الخلق طرّا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » ! ! . وإنه ليستبين لك سرّ هذا الاعجاز ، إذا ما علمت أن محاولة مثل هذا الاتّساق والانسجام ، لن يمكن أن يأتي على هذا النمط الذي نزل به القرآن ولا على قريب من هذا النمط ، لا في كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولا كلام غيره من البلغاء وغير البلغاء . خذ مثلا حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو ما هو في روعته وبلاغته ، وطهره وسمّوه : لقد قاله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مناسبات مختلفة ، لدواع متباينة ، في أزمان متطاولة فهل في مكنتك ومكنة البشر معك ، أن ينظموا من هذا السرد الشتيت وحده . كتابا واحدا يصقله الاسترسال والوحدة ، من غير أن ينقصوا منه أو يتزيّدوا عليه أو يتصرفوا فيه ؟ ؟ . ذلك ما لن يكون ، ولا يمكن أن يكون ، ومن حاول ذلك فإنما يحاول العبث ويخرج للناس بثوب مرقّع ، وكلام ملفّق ينقصه الترابط والانسجام ، وتعوزه الوحدة والاسترسال ، وتمجّه الأسماع والأفهام . إذن : فالقرآن الكريم ينطق نزوله منجما بأنه كلام اللّه وحده . وتلك حكمة جليلة الشأن ، تدلّ الخلق على الحق في مصدر القرآن ! . « قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً » .